السيد كمال الحيدري

171

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

بالجليّ ، والغائب بالشاهد ، فيتأكّد الوقوف على ماهيّته ، ويصير الحسّ مطابقاً للعقل ، وذلك في نهاية الإيضاح . ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرّداً عن ضرب مثل لم يتأكّد وقوعه في القلب كما يتأكّد وقوعه إذا مثّل بالنور ، وإذا زهّد في الكفر بمجرّد الذكر لم يتأكّد قبحه في العقول كما يتأكّد إذا مثّل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسيج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجرّداً ، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه ضرب الأمثال ) « 1 » ، وهذا هو المشهور في كلمات المفسّرين ، ونحن نصطلح عليه بالمثال العرْضيّ تمييزاً له عن المثال الطولي . وأما المثل الطولي فمن نماذجه أيضاً : قوله تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ( الرعد : 17 ) . فهنا تُحاول هذه الآية الكريمة أن تُقرّب لنا حقيقة من أعظم الحقائق التي سجّلها القرآن الكريم والتي تُمثّل - بحسب فهمنا - المفتاح الرئيسي لفهم تراتبية المخلوقات في السلّم الوجودي القائم على أساس الكمال المُحرز والسبقة الكمالية لا الزمنية ، كما أن هذه الآية الكريمة في واقعيتها الطولية تُؤسّس لنا ميزان خلود العلم والعمل ( فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) وفنائهما ( فَيَذْهَبُ جُفَاء ) ، ومنه نفهم أيضاً زمنية الخلود والفناء ، فبقدر مساحة النفع تمتدّ مساحة الخلود وتتقلّص مساحة الفناء ، وبقدر مساحة الزبد تمتدّ مساحة الفناء وتتقلّص مساحة الخلود ، كما أنَّ هذه الآية الكريمة تُؤسّس للاختيار في أصل

--> ( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 2 ، ص 66 . .